كيف يؤثر الإفراط في العمل على أدائك وحياتك الشخصية؟

يناير 15, 2017 | 11:46 ص

مشاهدات : 365

كيف يؤثر الإفراط في العمل على أدائك وحياتك الشخصية؟

يؤدي الإفراط في العمل حتماً إلى أشد درجات الإجهاد ، وبعد أن يخبو بريق التقدير والثناء الذي تحظى به في البداية، هل لا يزال بوسعك أن تحقق الأهداف التي وضعتها لنفسك بنفس المستوى، وبدون أن تثقل كاهلك بكثير من المهام؟

هل شعرتَ يوماً أنكَ لا تستطيع أن تأخذ إجازة من العمل لشعورك بأنه ليس هناك من يمكنه أن يؤدي مهامك في غيابك؟ هل تلغي كل خططك الشخصية لتواصل العمل حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل، وفي عطلات نهاية الأسبوع، وتشعر بوخز الضمير إذا غادرت مكان العمل في وقت الإنصراف المفترض؟

إذا كان أي مما سبق ينطبق عليك، فربما تكون واحداً ممن يُطلق عليهم وصف “المنهكين” في العمل، الذين يزداد عددهم في الآونة الأخيرة، وبسببهم تشهد الثقافة التنظيمية للمؤسسات تغيراً جذرياً، وتزيد معها حالات التوتر والإجهاد الشديد.

كان ” بينال باتيل ” أول من أقر بأنه أفنى حياته في عمله، وأنه يعاني من قدر من الإنهاك بعد أن ضحى بكل وقت فراغه في سبيل تحقيق أهدافه المهنية.

ويقول ” باتيل ” عالِم البيانات البالغ من العمر 25 عاماً ، من مدينة رالي في ولاية نورث كارولينا بالولايات المتحدة، إن مشاكله بدأت منذ عامين، حين حصل على وظيفة جديدة لدى شركة ناشئة تضطلع بأعمال تحليل البيانات في مجال الرعاية الصحية، وكان مفعماً بالحماسة.

ولم يكن في الشركة آنذاك إلاّ 12 موظفاً ، ويتذكر  ” باتيل ” أن توقعاته في العمل كانت أعلى من قدراته إلى حد ما ، إذ كان يعمل ” 12 ساعة في اليوم بطاقة 200 في المئة ” على حد قوله.

في البداية، كان ” باتيل ” سعيداً بالتقدير الإيجابي، وإعتاد عليه، ولكن سرعان ما أدرك أنه لن يستطيع مواصلة قبول عدد المهام الذي يفوق طاقته.

ويضيف ” باتيل ” : ” مع مرور الوقت ، تتوقع منك الشركة أن تعمل بنفس المستوى الذي عملت به منذ البداية ، وأنت تتوقع من نفسك أن تحافظ على المستوى الذي بذلتَ جهداً ووقتاً في الوصول إليه ، ولكن ليس من الممكن أن ترهق نفسك في العمل طوال الوقت ” .

ووجد ” باتيل ” أنه كلما زادت ساعات العمل ، قلت قدرته على الإنتاج ، وكذلك كفاءته ، ويقول : إن العمل الشاق قد أثر سلباً على نفسيته أيضاً ، وأضاف : ” لأنك تتوقع أن تصل إلى المستوى الأعلى على الدوام ” .

ولا يعاني ” باتيل ” من هذه المشكلة وحده ، فبحسب دراسة جديدة أعدها معهد القوى العاملة التابع لمؤسسة ” كرونوس ” لخدمات وبرمجيات إدارة القوى العاملة، أفاد 81 في المئة من الموظفين الذين يتقاضون رواتب شهرية في الولايات المتحدة أنهم يعملون خارج ساعات العمل الرسمية، وأفاد 29 في المئة منهم أنهم يكررون ذلك ثلاثة أيام أو أكثر في الأسبوع.

وذكرت دراسة أخرى أجراها مشروعٌ يُعرف باسم “تايم أوف” في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يهدف إلى تشجيع الموظفين على الحصول على وقت للراحة من العمل، أن أبناء جيل الألفية ينزعون أكثر من نظرائهم الأكبر سناً إلى إجهاد أنفسهم في العمل بنسبة 43 في المئة، وهو ما يزيد عن متوسط نسبة الإجهاد في العمل بين جميع العاملين، والتي تقدر بنحو 29 في المئة.

ويقول خبراء إن قضاء وقتٍ أطول في العمل لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين كفاءة العامل ، كما يشددون على أن الرؤساء يجب أن يضعوا أهدافا واضحةً تحول دون استنفاد طاقة ومجهود فريق العمل في المستقبل.

ويحذرون أيضاً من تبعات إنهاك العاملين ، خاصة إذا وصل أبناء جيل الألفية الجديدة إلى المناصب الإدارية، لأنهم سيتوقعون من مرؤوسيهم أن يظلوا في العمل لساعاتٍ تفوق ساعات العمل الرسمية، كما يفعلون هم.

وتقول ” كيتي دينيس ” رئيسة فريق الباحثين في مشروع “تايم أوف” : ” تخيل ما سيؤول إليه مستقبل التوازن بين العمل والحياة الشخصية إذا كنا ندعم هذا الأسلوب في التفكير ” .

وتضيف : ” ستتفاقم المشاكل في المستقبل القريب ” ، ما لم يغير جيل الألفية ذلك النهج في العمل تماماً .

وقد أجرت ” مريانا فيرتانين ” بالمعهد الفنلندي للصحة المهنية ، دراساتٍ ربطت فيها بين الإفراط في العمل وبين مشاكل صحية عديدة ذات صلة بالإجهاد، بما فيها الإكتئاب، واضطرابات النوم، والإفراط في المشروبات الكحولية.

واستنتجت إحدى الدراسات الحديثة التي أُجريت على موظفين من أمريكا، وأستراليا، وأوروبا، أن من يعملون لمدة 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع، يصبحون أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 33 في المئة، وأكثر عرضة للإصابة بمرض الشريان التاجي بالقلب بنسبة 13 في المئة، وذلك مقارنة بنظرائهم الذين يعملون لمدة 40 ساعة في الأسبوع.

الخوف وعدم الإستقرار

تقول ” دينيس ” إن من أسباب انتشار ثقافة استنفاد الطاقة في العمل بين الشباب من الفئة العمرية من 18 إلى 35 عاماً ، وجود حاجة لتلبية تطلعاتٍ ذاتيةٍ (مثل بذل جهد كبير للشعور بتحقيق الذات)، ووجود حالة من القلق أعلى مما هو مطلوب.

وأضافت : ” يردد الكثير من الناس أن أبناء جيل الألفية مغرورون ومدللون، ولكن ما نكتشفه في الحقيقة هو أن لديهم الكثير من المخاوف ” .

وتقول ” دينيس ” : إن أغلب من بلغوا مرحلة الشباب في بداية الألفية الثانية حصلوا على وظائف في أوج حالة الركود الاقتصادي ، حين كانت الوظائف نادرة ، فضلاً عن أنهم يعملون وفقاً لثقافة عمل تهيمن فيها الوسائل التكنولوجية على كل شيء ، ويشعر الكثيرون منهم أنهم مكبلون بأجهزتهم.

وتضيف ” دينيس ” : ” لا يفصح القائمون على العمل عن الإستخدام المناسب للوسائل التكنولوجية ، ولهذا نشعر أننا يجب أن نظل متاحين للعمل في أي وقت ، وهذا يذكّي رغبة جامحة لإثبات الذات ، ولا سيما لدى جيل الألفية ” .

وخلص التقرير الصادر عن مشروع “تايم أوف” إلى عدم وجود أية علاقة بين قضاء وقتٍ طويل في العمل والترقي الوظيفي، بل ربما يكون العكس صحيحاً .

وتقول ” دنيس ” مفسرة : ” لكل إنسان حد أقصى للإنتاج لا يتعداه ، ولا يعني بقاء الشخص في العمل لفترة أطول من نظرائه ، أنه ينتج أكثر من غيره ” .

نمط مهني يمكن تجنبه

يقول ” تي تاكر ” الرئيس التنفيذي لمنصة “آر إي في” المتخصصة في إدارة الأداء المهني ، إنه من السهل أن نمنع ظهور هذا السلوك في مكان العمل في المقام الأول ، وأضاف : ” على الإدارة أن تعرّف أهداف الموظفين الشخصية، وتحدد كيف سيُقيَّم الموظفون على أساس الأداء ” .

كما يجب أن يكون المدير على دراية بالأعمال التي يمكن تنفيذها بشكل معقول خلال الأسبوع الذي لا يتعدى 40 ساعة ، ليتفادى إنهاك الموظفين، واتخاذ القرارات المناسبة بشأن وضع الميزانية، وعدد الموظفين، والأهداف المميزة.

وفي الحقيقة ، يُصَعِّب الكثير من الموظفين هذه المهمة على مديريهم من غير قصد ، وذلك حين يعمل هؤلاء الموظفون خارج ساعات العمل الرسمية، ولا سيما إن كانوا في بداية حياتهم المهنية.

ويرى ” تاكر ” أن الرؤساء في بعض الأحيان يتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية عن انتشار ثقافة الإجهاد الشديد في بيئة العمل ؛ فهؤلاء لا يحددون أسلوب عمل خاطئ لموظفيهم فحسب ، بل يُبطئون أيضاً سير العمل، إذ يجعلون كل القرارات في أيديهم، حتى لا تستطيع الشركة الإستغناء عنهم.

ويقول ” تاكر ” : ” لو احتفظت بالمعرفة في حصون بمعزل عن الآخرين، ستقل كفاءة المؤسسة ككل ” .

ويرى ” تاكر ” أنه في حين قد يقع المتفانون في العمل في فخ العمل لساعاتٍ طويلة والإنتاجية الأقل، فإن البديل الأفضل هو “الموظف الناجح” ، ويقول : ” الموظف الناجح هو الذي يتدخل حين تطرأ مشكلة ما ، ويحلها ويُنهي الأمر ، ويضع هذا الشخص نصب عينيه النتائج وليس الوقت، وربما لم يدر بخَلده أن الآخرين ينظرون إليه على أنه بطل ” .

ويحاول ” باتيل ” عالم البيانات من مدينة رالي ، أن يكون من الموظفين الناجحين ، وقد عُين في منصب جديد مع بداية عام 2017، ويقول إنه سيكون على النقيض تماماً مما كان عليه عندما بدأ العمل في الشركة .

ويقول ” باتيل ” : ” عندما أتولى مهام منصبي الجديد لن أبادر بالتدخل في كل شيء ، لا شك أنني سأقوم بوظيفتي ، ولكنني سأحرص على أن أشترك مع زملائي في العمل كفريق واحد ” .