لماذا أسس محمد باقر الصدر حزب الدعوة، ثم انسحب منه بسرعة؟

فبراير 4, 2018 | 10:56 ص

مشاهدات : 179

لماذا أسس محمد باقر الصدر حزب الدعوة، ثم انسحب منه بسرعة؟

في أواسط الخمسينات ، انطلقت مجموعة من شباب الحوزة الدينية في النجف والشباب المسلم المثقف في العراق ،كالاخوين السيد مهدي والسيد باقر الحكيم والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد باقر الصدر والشيخ ( غير المعمم) عبد الصاحب دخيل والسيد مرتضى العسكري ومحمد صالح الأديب. لتشكيل حزب إسلامي سري (هو حزب الدعوة الإسلامية) يختلف عن الأحزاب الشيعية السياسية السابقة وعن مرجعية السيد الحكيم الذي نشأ في ظلها ، في التخطيط لاستلام السلطة وليس العمل من أجل حقوق الطائفة فقط أو بعض الأمور الإصلاحية.

وجاء في أهداف الحزب ما يلي:
– تغيير واقع المجتمع البشري إلى واقع إسلامي
– إحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية
– تغيير الفرد المسلم وإعداد الطليعة المؤمنة الواعية المجاهدة
– بعث الفكر الإسلامي الأصيل من جديد وتنقيته من الأفكار والمفاهيم الغربية
– تهيئة الأمة فكريا وروحيا وسلوكيا حتى تتغير معالم المجتمع الإسلامي بالتدريج ، ويتحقق المجتمع الإسلامي بجميع مقوماته
– تحرير البلاد الإسلامية من السيطرة الاستعمارية الكافرة
– دعم وبناء الدولة الإسلامية لتكون نواة لقيام الدولة الإسلامية الكبرى
– دعوة العالم إلى الإسلام .
عن: الشامي، حسين: المرجعية الدينية ص 139

تشكل الحزب على أساس نظرية الشورى والانتخابات ، وكان السيد محمد باقر الصدر قد لعب دورا كبيرا في تأصيل هذه النظرية في داخل الحزب ، حين وضع الأسس الفكرية والخطوط العامة لحزب الدعوة ، وقد جاء في الأساس السادس : إن (شكل الحكم في الإسلام) في (عصر الغيبة) يقوم على قاعدة الشورى ، لقوله تعالى: ( وأمرهم شورى بينهم) حيث لا يوجد نص من قبل الله ورسوله ، وإن الشورى في عصر الغيبة شكل جائز من الحكم ، فيصح للامة إقامة حكومة تمارس صلاحياتها في تطبيق الأحكام الشرعية ، ووضع وتنفيذ التعاليم المستمدة منها ، وتختار تلك الحكومة الشكل والحدود التي تكون أكثر اتفاقا مع مصلحة الإسلام ومصلحة الأمة ، وعلى هذا الأساس فان أي شكل شوري من الحكم يعتبر شكلا صحيحا ما دام ضمن الحدود الشرعية.
الشامي ، حسين: المرجعية الدينية ص 135 و المؤمن ، علي: سنوات الجمر ص 32

ولكن أطروحة الحزب الإسلامي القائم على نظرية الشورى لقيت معارضة من قطاعات جامدة في الحوزة العلمية في النجف كانت تؤمن بنظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب) وتحرم قيام أية دولة إسلامية في (عصر الغبية).
انظر: النعماني ، محمد رضا : الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار ص 146 ، الطبعة الأولى قم

وكان بعض تلك القطاعات يشكل امتدادا للخط العام الذي سيطر على الحوزة منذ انسحابها من المعترك السياسي بعد تسفير المراجع (الأصفهاني والنائيني والخالصي) إلى إيران ، في بداية تأسيس العراق الحديث ، والتزام الأصفهاني بعدم التدخل في الشؤون السياسية العراقية. وهذا ما دفع البعض إلى اتهام الصدر بالتسنين والميل إلى الإخوان المسلمين باعتبار الشورى نظرية سنية أساساً في مقابل نظرية النص الشيعية الامامية.

مقابلة مع عضو مكتب سياسي لحزب الدعوة موفق الربيعي في لندن بتاريخ 19-5-99 و الشامي ، حسين: المرجعية الشيعية ص 379 و 381 و مجلة الجهاد رقم 14 تاريخ جمادى الثانية 1401 طهران

ولم تكن الحوزة النجفية ، بصورة عامة ، تؤمن بنظرية (ولاية الفقيه) ولذا فأنها استنكرت بشدة محاضرات الإمام الخميني حول (الحكومة الإسلامية) عام ١٩٦٩ ، التي انتقد خلالها نظرية الانتظار ودعا إلى قيام الفقهاء بتأسيس الحكومة الإسلامية وقيادتها والجهاد ومقارعة الحكومات الفاسدة والظالمة.
المؤمن ، علي: سنوات الجمر ص 102

بيد أن إيمان الصدر بنظرية الشورى لم يكن إيمانا راسخا ، لأن الشورى كانت تختلف مع الفكر الشيعي الإمامي العام الذي يؤمن بالعصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية ، وقد حدث بينه وبين السيد محمد باقر الحكيم حوار حول مشكلة الشرعية الدستورية للدولة الإسلامية المنشودة ، فكتب الصدر رسالة حول الموضوع وقام السيد باقر بعرضها على أستاذ كبير في الحوزة هو الشيخ حسين الحلي (مدير مكتب إفتاء السيد محسن الحكيم) ، فأبدى إشكالياته على الاستدلال بآية الشورى. ثم عرض الصدر فكرة الشورى على أستاذه الخوئي فرفض دلالة الآية على الحكم الإسلامي، وعرضها على خاله الشيخ مرتضى آل ياسين ، وكذلك على الشيخ حسين الحلي الذي رفض بقوة فكرة إقامة الدولة في عصر الغيبة ، وهذا ما أدى إلى حدوث أزمة فكرية لدى السيد محمد باقر الصدر.
وقد تحدث الصدر عن تلك الأزمة في رسالة له إلى السيد محمد باقر الحكيم في تموز 1960 ، وقال :”إنها حدثت له أثناء مراجعته لأسس الأحكام الشرعية وآية (وأمرهم شورى بينهم) التي هي أهم تلك الأسس ، وبدونها لا يمكن العمل في سبيل تلك الأسس مطلقا ، وإذا تم الإشكال فان الموقف الشرعي لنا سوف يتغير بصورة أساسية ، وإن لحظات تمر علي في هذه الأثناء وأنا اشعر بمدى ضرورة ظهور الفرج وقيام المهدي المنتظر (صلوات الله عليه) ولا زلت أتوسل إلى الله تعالى أن يعرفني على حقيقة الموضوع ويوفقني إلى حل الإشكال … وعلى كل حال فان حالتي النفسية لأجل هذا مضطربة وقلقة غاية القلق”.
الخرسان ، صلاح : حزب الدعوة ص 114

وقد ذكر السيد محمد باقر الحكيم في مقال نشرته مجلة (قضايا إسلامية): إن الشك في دلالة آية الشورى انتهى بالشهيد الصدر الى الشك في صحة العمل الحزبي الذي لا معنى له في نظره آنذاك، إلا إذا كان يتضمن الدعوة الى قيام الحكم الإسلامي، فإذا لم تكن النظرية حول قيام الحكم الإسلامي واضحة فكيف يمكن إيجاد تنظيم يسعى الى هذا الهدف دون أن يكون نفس الهدف واضح المعالم؟.إن خروج السيد الشهيد الصدر من حزب الدعوة الإسلامية كان لشبهة شرعية تزامنت مع قصة الوشاية التي قام بها (حسين الصافي) عند السيد الحكيم. إن السيد الصدر لم يعد يؤمن بضرورة الدولة الإسلامية لذلك لم يجد ضرورة لعمل حزب الدعوة الإسلامية الذي أسس لغرض إقامة الحكومة الإسلامية.
الصادق الوعد، صفحات من حياة الداعية المؤسس الحاج محمد صالح الأديب، ص 68

وبما ان الصدر كان يرى أن الهدف من تشكيل حزب الدعوة هو أن يكون طريقا إلى قيام الحكومة الإسلامية ، ومع عدم مشروعية الهدف فلا معنى لقيام ذلك الحزب مهما كانت المبررات ، فقد قرر قطع الشك باليقين والانسحاب من الحزب بعدما تعذر عليه في تلك الفترة حل الإشكال الفقهي الذي اعتراه حول دلالة آية الشورى المناقضة للفكر السياسي الإمامي.
المصدر، ص 144

ويؤكد السيد محمد باقر الحكيم هذه الحقيقة بقوله:” ان السبب في خروجي وخروج الصدر من الحزب كان هو الإشكال الشرعي”.
المصدر، ص ١١٦

وقد استغل الصدر طلب السيد محسن الحكيم منه ومن ابنيه مهدي وباقر للخروج من الحزب، بعد تحذير الشيخ حسين الصافي للحكيم ، ليقدم استقالته بصورة رسمية وينهي علاقته مع الحزب الوليد .
المؤمن ، علي: سنوات الجمر ص 51-52 و الشامي ، حسين: المرجعية الدينية ص 182 والخرسان ، صلاح : حزب الدعوة ص114

وبالرغم من خروج الصدر من حزب الدعوة إلا أن الحزب لم يتأثر بذلك وواصل مسيرته على أساس نظرية الشورى، وإن بصورة مترددة ،
وقد اتسعت الهوة بين الصدر وحزب الدعوة بعد استلام السيد محمد هادي السبيتي لقيادة الحزب عام 1964 خلفا للسيد مرتضى العسكري الذي فضل العمل في إطار (جماعة العلماء في بغداد والكاظمية) في ظل مرجعية السيد محسن الحكيم ، وذلك لاتجاهات السبيتي الوحدوية الإسلامية اللاطائفية ، بسبب انحداره من حركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير ، وموقفه الرافض لتدخل الفقهاء في قيادة العمل السياسي والحزبي .

كان السبتي يرى ان الدعوة لا تستطيع ان تستوعب المسلمين جميعا إذا بقيت ضمن دائرة مذهبية محددة فاتهم من قبل (السيد سامي البدري) بأنه يهمل فكر أهل البيت ويعمل على تعميق ذلك في الحزب ، مما أدى إلى نشوب أزمة داخل حزب الدعوة في منطقة الكرادة في بغداد خلال الفترة بين عامي 65 و66 ثم فصل البدري من الحزب عام 67 وتأسيس نواة حركة (جند الإمام) .
راجع: الخرسان ، صلاح: حزب الدعوة ص 138-139 و ص 148

وكان السبيتي – خلافا لأصحاب نظرية الانتظار وأنصار ولاية الفقيه – يعتقد بقيادة الحزب للامة مع الاستفادة من المرجعية كواجهة للعمل الإسلامي ومن الطاقات والإمكانيات التي تملكها وأن القيادة لمن يتقدم ويتصدى ، وهو الفكر الذي كان السيد محمد باقر الصدر قد صاغه قبل انسحابه من الحزب اعتمادا على نظرية (الشورى) .
المصدر، ص 411 ، عن ثقافة الدعوة ج1 ص 421 ط