ايران والمجلس الاعلى وتيار الحكمة..الى اين؟.

أغسطس 31, 2017 | 11:04 ص

مشاهدات : 329

ايران والمجلس الاعلى وتيار الحكمة..الى اين؟.

قد يكون العنوان صادما لكنه سيتحرك على سكة النوايا الايجابية والحسنة والصادقة التي كنا ولازلنا نتميز بها عن غيرنا ونتحرك على اساسها مع رجال الثورة الاسلامية ونظامها الثوري. ولكي لااطيل في المقدمات المملة لابد من اثارة السؤال الاكبر حيث يخشى البعض في الساحة العراقية الاقتراب منه:

هل توقف المشروع العقدي والسياسي وحاضنته الثورية في طهران بنهاية مشروع المجلس الاعلى او تعثره على الاقل بانسحاب السيد عمار الحكيم وتشكيله تيار الحكمة الوطني ام ان رجال الثورة الاسلامية في وارد قراءة مختلفة ازاء المسألة الشيعية العراقية بصمود العلاقة وتطورها بعد مضي اكثر من 38 عاما هو العمر الافتراضي للعلاقة التاريخية بين الحركات والاحزاب العراقية الشيعية وايران؟.

المجلسيون يراهنون على “القيمة المعنوية” التي يضخها السؤال ويدفعها في الشارع الشيعي وامكانية استعادة وهج الدعم الايراني للمجلس الاعلى ايام زعامة السيد محمد باقر الحكيم الى ايام المرحوم السيد عبد العزيز الحكيم، لكن ايران التي تميزت بخبرتها الطويلة في الساحة العراقية كانت تعرف ان اتجاها مختلفا عنها سياخذ طريقا مختلفا عن توجهاتها السياسية وقراءتها لاوضاع الحركات الاسلامية العراقية وتشكل في رحم مشروعها “المجلس الاعلى” وان هذا الاتجاه سيفصح عن نفسه في يوم من الايام ويخرج الى العلن للتعبير عن ذاته ووجوده السياسي والتنظيمي في ساحة تحتاج اكثر من اي وقت مضى الى تيار سياسي شيعي عقلاني مشبع بالروح العراقية ويستمد شروط تشكله منها وقيادة تميل الى العروبة اكثر من ميلها للعقائد السياسية التي افصحت عن نفسها قبل 40 عاما من الان حيث يشعر البعض في الوسط الشيعي الليبرالي وحتى التقليدي انها سببت احراجا كبيرا للمجلس الاعلى وقياداته طيلة ربع قرن مضى، مع ان هنالك حركات واحزابا اسلامية شيعية عراقية ترى خلاف ذلك وتعتقد ان الثورة الايرانية اعطت زخما من القوة عاليا لها في وقت كان نظام صدام حسين يفتك بقياداتها ويطارد منتسبيها وليس هنالك من دولة قادرة على ايواء نخبها اللاجئة وشبابها الذي تقطعت به السبل مابين المشانق والسجون وحافات انهار العراق الا طهران الثورة.

 

ايران كانت تعرف بالانسحاب لكنها تصرفت بحكمة:
لذلك نميل الى الراي القائل ان ايران كانت تعرف ان المجلس الاعلى لن يثبت على حاله في عهد السيد عمار الحكيم، وستاتي اللحظة التاريخية التي يختار فيها احد الطرفين لون طريقته وطريقه الذي لارجعة فيه لنمط العلاقة بايران في مواجهة فريق يرى ان المجلس الاعلى لن يكون المجلس الذي يتحرك بقوة الا بعمقه الشرعي والاخلاقي واجواء التاسيس الاول المتمثل بالثورة الاسلامية وولاية المرشد الاعلى..فاتخذ الحكيم طريقة الانسحاب من المجلس سبيلا للتعبير عن آليته السياسية الجديدة واتخذ الفريق الاول في المجلس طريقته في التعاطي الحر مع قيم الثورة وحاضنة الدولة الايرانية بعد ان تكتم عليها سنوات في ظل زعامة عمار الحكيم ولم يفصح عنها كما يفصح عادة حزب الله اللبناني حين يرد سؤال العلاقة بايران.

ايران من جانبها لم ترد على الانسحاب بتحريك اساطيل الدعاية الاعلامية المضادة بل تعاطت مع المسالة باعتبارها شأنا سياسيا عراقيا داخليا في واحد من التنظيمات التي امتازت بعلاقتها الموضوعية مع الثورة الايرانية وهكذا انتهى الحال الى فريقين كل منهما يتحرك بنفس الروح على الثورة وبنفس النزوع على الساحة العراقية.

 

الحكيم لم يكن مجلسيا:
منذ البدء قالت مجموعة محدودة من المطلعين المقربين للمجلس الاعلى ان سماحة السيد عمار الحكيم لن يستمر طويلا في قيادة المجلس الاعلى لان الرجل لاينسجم مع المجلس في بُنيته وتركيبته الرجالية واجوائه السياسية وبدايات تشكله في 17 تشرين اول عام 1982 وعزوفه في بدايات توليه قيادة المجلس عن استكمال المسيرة السياسية بذات النمط والنهج والتركيبة والطريقة والآلية ومستوى العلاقة وآلية التقاليد الفكرية والسياسية مع ايران، وربما كانت زياراته العربية لسوريا والامارات العربية المتحدة والسعودية وقطر والاردن اشارة واضحة ان الرجل اختار مشرقيته العربية على مشرقية ايرانية لم تعد تلبي حاجة مهمة في مشروعه الخاص وان امضى في المجلس الاعلى نفس الفترة التي امضاها عمه وهي اطول فترة يمضيها زعيم سياسي عراقي في تاريخ العمل الوطني منذ 100 عام حيث كانت اطول فترة امضاها جعفر ابو التمن ثلاث سنوات في الحياة السياسية ايام العهد الملكي!.

 

قرارالانسحاب لم يكن صادما!:

 ان نطفة “تيار الحكمة الوطني” تشكلت في ظل هذه الارهاصات والتآملات الشخصية للحكيم وهو يدرس امكانية تاسيس مناخ للمسالة الوطنية بعيدا عن اجواء تاسيس المجلس الاعلى التي كانت تميزت بالشدة والحدة واجواء المعارضة والحرب والصراع الدموي مع النظام السابق وتاسيس جديد مثل هذا سيتيح له رؤية اوسع وخيار افضل وساحة اشمل ومفاهيم وطنية ارحب واقوى من التجليات السياسية التي تشكل فيها المجلس قبل 35 عاما من الان كما ان غياب السيد محمد باقر الحكيم بالتفجير الارهابي بعد عودته الى العراق لم تدفع بالمجلس الى القوة التي كان يتمناها بسبب عدم تركيز المجلس على الكسب الوطني والعمل التنظيمي بل تصوروا ان الامة ستاتي اليهم وتنتخب مرشحيهم وتقلدهم المواقع العليا في البلاد بسبب هذا التاريخ وتلك واحدة من النظريات التي اصابت المجلس الاعلى بالصميم ماافسح المجال امام الحكيم نفسه غير المنشغل بموقع حكومي الذهاب الى الناس من خلال “تجمع امل” وهو تجمع كان على الهيئة القيادية ان تدرك يوم تاسيسه ان الحكيم ماض الى مشروعه الخاص بعيدا عن مشروعهم العام!.

عمار الحكيم اراد من خلال الانسحاب تحويل المسيرة السابقة الى ارث تاريخي ينطلق منه من اجل صياغة ارحب لمفاهيم ادارة المجتمع والدولة والاتكاء على هذا الارث من اجل التاكيد على صوابية تمثيل الساحة الشيعية ومحاولة تحديث العلاقة مع العرب والتعويل على المشرقية العربية بعيدا عن هيمنة الشعور بالدونية السياسية امام وهج ” المشرقية الايرانية”.

 

سؤال جوهري:
هل كانت خطوة الانسحاب ومواجهة ردود الفعل الايرانية والعراقية المجلسية بالتنحي عن مسؤولية الاستمرار في قيادة المجلس الاعلى حقيقية ومدروسة وذات معنى ام ان الرجل كان يمضي الى حتفه السياسي ومشروعه الى التنكيل والانهيار والحصار والتشويه الاعلامي في ساحة محشوة الى الانف بمواقع التسقيط ومنابر التوهين؟.

نجزم ان الحكيم كان سيمضي في مشروع الحكمة الوطني حتى لو نجحت ايران بتسوية خلافه مع رفاق عمه وابيه في الهيئة القيادية ومع الكفاءات الاخرى في المكتب السياسي لان الحكيم وصل الى يقين ان المجلس كمسيرة واطروحة وحزب سياسي وقاعدة انتخابية ورقم سياسي منافس على ادارة البيت الشيعي من موقع المسؤولية الاولى في البلاد ” رئاسة الوزراء” ومقاعد حقيقية ورصينة في مجلس النواب لم يعد الحزب المنافس ولا الخيار الاول القابل للحياة واستعادة المكانة الاولى والدور الاول وان الظروف السياسية والتاريخية التي شكلته ودفعته الى العنوان الاول فترة 30 سنة لم تعد موجودة ايضا بل ان الوهن والضعف والتراجع الى مقاعد الدرجة الرابعة او الخامسة صار سمة المجلس الاعلى.

لقد وصل السيد الحكيم الى قناعة ان الدخول مع المجلس الاعلى في انتخابات 2018 يعني خسارة نصف المقاعد الحالية وهو مايعني خسارة جهوده التي امضاها خلال فترة توليه الرئاسة عبر تاسيس “تجمع امل” وبناء رؤية وقواعد تنظيمية لتياره الاجتماعي في الساحة العراقية تحت سقف المجلس الاعلى.

 

العماريون..مقتل عمار الحكيم:
مابناه الحكيم في “تجمع امل” قد ينهار في اية لحظة كما انهارت علاقته بالمجلس الاعلى اذا مااصر بعض المتحمسين في تياره بالذهاب الى الصنمية السياسية التي تعلي من شأنه وتطيح بالتدرج الفكري والتنظيمي في بناء المشروع الوطني المأمول.. من هنا نصح الكثيرون السيد عمار الحكيم ايقاف هتاف البعض وتثقيف البعض الاخر على شعار” عماريون” كون التيارات الاجتماعية القابلة للحياة لاتنهض بالاسماء المجردة عن قيمها الوطنية وخلفياتها الفكرية والتاريخية والتسلسل الزمني والحكيم بحاجة الى زمن لكي يتحول الى ” الخمينية” لدى الحركة الاسلامية في ايران قبل انتصار الثورة او “الماوية” بعد موت ماوسيتونغ.

لوكان الشعار مفيدا وجاذبا لكان موالوا السيد حسن نصر الله استلهموه لافتة لهم ومن اولى من حسن نصر الله زعيما يمكن الهتاف له وتشكيل تيار في المقاومة اللبنانية والعربية يتحدث باسمه ويدعو له ولقيادته الثورية؟.

انا واثق ان السيد تصر الله منع مريديه ويمنعهم من الحديث عن هذا التقليد ” العراقي” لان الهدف هو المقاومة وتحرير الارض والتاريخ هو الذي يقلد الكبار اوسمة التمجيد والبقاء وليس هتاف المريدين والاتباع.

ربما تلقى الحكيم نصيحة ان يكون في موقع قيادي اخر غير المجلس الاعلى لكي يستعيد وهج حضوره بين كبار العملية السياسية والتنافس على بناء موقع رئاسة الوزراء العراقية كزعيم ديني يقف على هرم حزب وطني وهي حالة لم تكن سائدة ل30 سنة ماضية خصوصا في اسرة الامام السيد محسن الحكيم باستثناء محطات مهمة من حياة ومسيرة العلامة مهدي الحكيم الذي امضى جل عمره في المشروع الوطني مبتعدا عن العنوان الاسلاموي حتى في عز صعود العنوان الاسلامي العراقي بعد انتصار الثورة الايرانية وتاسيس المجلس الاعلى وبقي على مسافة واحدة منه الى جانب بقية الحركات والاحزاب الاسلامية العراقية في زمن المعارضة.

 

لذا من الخطأ القول ان عمار الحكيم شكل تيار الحكمة الوطني بسبب ابتعاد ايران عنه لمشرقيته العربية وعدم ترحيب الولي الفقيه به او رفض استقباله كما اشيع قبل الانسحاب من المجلس الاعلى ويجب احالة اسباب الانسحاب الى جوهر الخلاف مع الهيئة القيادية وجوهر الاتفاق على تشكيل حزب سياسي عابر لكل المفاهيم التي اوقفت المجلس الاعلى عن مسيرة الحزب الاول وادارة البلاد والفشل في ادارة البيت الشيعي من موقع التاريخ الجهادي الطويل.

 

حقيقة العلاقة بايران:
لكن ايران التي ابتعد الحكيم عن صيغتها السياسية “المجلس الاعلى” بتشكيل التيار الوطني بقيت قريبة منه ولم يصدر عنها مايعكر صفو العلاقة التاريخية باسرة الامام الحكيم او به على المستوى الشخصي ولم تتخل عنه للشروط والقيمة والدور والمكانة والاسم بدليل ان الحكيم بقي زعيما للتحالف الوطني واكمل دورته الزمنية “سنة واحدة” على راس التحالف ولوكانت طهران منزعجة منه لكانت اقالته عن زعامة التحالف باتفاق قادة الكتل السياسية بعد عشر دقائق من اعلانه التلفزيوني التخلي عن زعامة المجلس الاعلى!.
في الظن ان عمار الحكيم بات اقوى بتيار الحكمة مماكان قويا بشخصه حين كان زعيما للمجلس الاعلى.. على الاقل هذا مايقوله المقربون منه والمعولون عليه في دوائر البحث والتحليل السياسي في ايران.

 

قراءة ايرانية للانسحاب:
القراءة الايرانية الحديثة للاوضاع العراقية تتجاوز المكونات التقليدية التي نشات قبل 35 عاما من الان الى الطابع السياسي القادر على استيعاب زخم المسالة الشعبية الشيعية سواءا اكان الطابع وطنيا ام اسلاميا تقليديا ويضرب هذا الاتجاه في التحليل مثال “الثورة الايرانية ومشروع الجمهورية الاسلامية والزمن الافتراضي الذي بلغته وانتهت اليه الصيغ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والانتخابية الايرانية مابين زمن الامام الخميني المؤسس الاول ومرحلة التحولات البشرية الكبرى في ايران زمن الولي الفقيه الحالي.

الخروج من سقف الاختلاف الشعبي:
خصومه سيقولون عنه انه خرج على نهج عمه وابيه وتاريخ الاسرة ورجالها الذين مضوا الى حتوفهم شهداء في السجون ومغيبين في المنافي ومطاردين في الامصار والاقطار دفاعا عن العراق والحرية والعدالة والمساواة الاجتماعية لكن الحقيقة هي ان الحكيم اقدم على فعل واخذ قرارا لم يستطع قادة كبار في الدولة العراقية والعملية السياسية القيام به وربما تخاذل جيل من القادة عن الاقدام عليه خصوصا من الذين يعتقدون بالثورة الاسلامية وقيادتها الدينية او الذين يوهمون انفسهم انهم معها ويوهمونها انهم يقفون الى جانبها وهم في الحقيقة انما يقفون الى جانب انفسهم حماية لاوضاعهم السياسية والانتخابية والمالية ..وهي تعرفهم بسيماهم!.

الشائع او الذي يشيعه خصومه ان الرجل دكتاتور ولايستشير احدا في هيئة القيادة والحقيقة ان جزءا مهما من الخلاف يكمن في الاختلاف الاخير الذي حدث اثناء طلب العبادي من عمار الحكيم التعاون معه حول موضوع وزراء التكنوقراط ورغم ان الحكيم طالب العبادي بقوة وامام الاعلام توضيح اسباب تقصير وزراء المجلس الاعلى لكن المشيئة الحكومية شاءت ان يكون اعضاء في الهيئة القيادية خارج سقف الحكومة .

في الظن ان الحكيم كسب جزءا مهما من الشارع الشيعي بالانتقال الى الخصوية الوطنية والاطار المحلي وقد منح هذا الانتقال فرصة التاكيد على المشروع المماثل لاعادة ترتيب اوراق المكون الشيعي على اساس شروط العربية الكبرى والوطنية المحلية الاكبر في حين يرى المجلسيون ان الحكيم خسر المكون الشيعي بخسارة الحاضنة التاريخية للمجلس الاعلى وهي حاضنة يعرفها العراقيون بدفاعها عن التشيع ودعمها لجهود الدولة العراقية في الدفاع عن ارض العراق يوم فتحت مخازن سلاحها للجيش والحشد الشعبي في مواجهة داعش وخسر “شرعية” الناخب الشيعي الذي يصوت للعنوان الاسلامي دون غيره مع ان الجدل الشيعي في الشارع لايشير الى حقيقة ميل الناخب الى العنوان الاسلامي لاسباب لم تعد خافية على احد.

استشراف للمستقبل:
الانتخابات النيابية القادمة ستشهد مفاجاءات كبرى اهمها انهيار البنى التلقيدية في الاحزاب الاسلامية الكبرى وصعود تدريجي وطبيعي للتيارات الوطنية والاسلامية الحديثة البعيدة عن الشعارات البراقة او الاخرى التقليدية التي اتعبت العراقيين وارهقتهم وافزعت جيلا من الشباب كان يظن ان التعويل على الاحزاب الاسلامية الكبرى او احزاب التحالف الوطني الحالي سيبني وطنا مستقرا ويعمر دولة متعبة ويحمي سيادة منتهكة الى ان حدث طوفان سقوط الموصل وبانت سوءة الحالة السياسية والاحزاب المتصدية ولولا فتوى الجهاد الكفائي لكان العراقيون صحوا في اليوم التالي ليجدوا هذه الكتل والمكونات في الضفة الاخرى من الحدود تدعو العراقيين الى الثبات في مواجهة داعش وهم يصرخون بملأ الفم عبر التلفزيونات الاجنبية”قادمون يابغداد”.